فخر الدين الرازي
85
تفسير الرازي
النفس ذائقته بل يتعلق بغيره وذلك الغير إن كان غير الله فهو ذائق الموت ومورد الهلاك بقوله : * ( كل نفس ذائقة الموت ) * * ( وكل شيء هالك إلا وجهه ) * ( القصص : 88 ) فإذاً التعلق بالله يريح من الموت فقال تعالى * ( فإياي فاعبدون ) * أي تعلقوا بي ، ولا تتبعوا النفس فإنها ذائقة الموت * ( ثم إلينا ترجعون ) * ( العنكبوت : 57 ) أي إذا تعلقتم بي فموتكم رجوع إلي وليس بموت كما قال تعالى : * ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء ) * ( آل عمران : 169 ) وقال عليه السلام : " المؤمنون لا يموتون بل ينقلون من دار إلى دار " فعلى هذا الوجه أيضاً يتبين وجه التعليق . قوله تعالى * ( وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفَاً تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) * . بين ما يكون للمؤمنين وقت الرجوع إليه كما بين من قبل ما يكون للكافرين بقوله : * ( وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) * ( العنكبوت : 54 ) فبين أن للمؤمنين الجنان في مقابلة ما أن للكافرين النيران ، وبين أن فيها غرفاً تجري من تحتها الأنهار في مقابلة ما بين أن تحت الكافرين النار ، وبين أن ذلك أجر عملهم بقوله تعالى : * ( نعم أجر العاملين ) * في مقابلة ما بين أن ما تقدم جزاء عمل الكفار بقوله تعالى : * ( نعم أجر العاملين ) * في مقابلة ما بين أن ما تقدم جزاء عمل الكفار بقوله : * ( ذوقوا ما كنتم تعملون ) * ( العنكبوت : 55 ) ثم في الآيتين اختلافات فيها لطائف منها أنه تعالى ذكر في العذاب أن فوقهم عذاباً أي ناراً ، ولم يذكر ههنا فوقهم شيئاً ، وإنما ذكر ما فوق من غير إضافة وهو الغرف ، وذلك لأن المذكور في الموضعين العقاب والثواب الجسمانيان ، لكن الكافر في الدرك الأسفل من النار ، فيكون فوقه طبقات من النار ، فأما المؤمنون فيكونون في أعلى عليين ، فلم يذكر فوقهم شيئاً إشارة إلى علو مرتبتهم وارتفاع منزلتهم . وأما قوله تعالى : * ( لهم غرف من فوقها غرف ) * ( الزمر : 20 ) لا ينافي لأن الغرف فوق الغرف لا فوقهم والنار فوق النار وهي فوقهم ، ومنها أن هناك ذكر من تحت أرجلهم النار ، وههنا ذكر من تحت غرفهم الماء ، وذلك لأن النار لا تؤلم إذا كانت تحت مطلقاً ما لم تكن في مسامتة الأقدام ومتصلة بها ، أما إذا كان الشعلة مائلة عن سمت القدم وإن كانت تحتها ، أو تكون مسامتة ولكن تكون غير ملاصقة بل تكون أسفل في وهدة لا تؤلم ، وأما الماء إذا كان تحت الغرفة في أي وجه كان وعلى أي بعد كان يكون ملتذاً به ، فقال في النار من تحت أرجلهم ليحصل الألم بها ، وقال ههنا من تحت الغرف لحصول اللذة به كيف كان ، ومنها أن هناك قال ذوقوا الإيلام قلوبهم بلفظ الأمر وقال ههنا * ( نعم أجر العاملين ) * لتفريح قلوبهم لا بصيغة الأمر وذلك لأن لفظ الأمر يدل على انقطاع التعلق